ابن أبي مخرمة
176
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
فجعلها مروان بن أبي حفصة مدحا في معن بن زائدة بعد أن غيرها وزاد فيها ونقص . ودخل معن يوما على المنصور وقد أسن ، فقال له : لقد كبرت يا معن ! قال : في طاعتك يا أمير المؤمنين ، فقال : إنك لجلد ! قال : على أعدائك يا أمير المؤمنين ، فقال : وفيك بقية ، قال : هي لك يا أمير المؤمنين ، وعرض هذا الكلام على عبد الرحمن بن زيد زاهد البصرة ، فقال : ويح هذا ؛ ما ترك لربه شيئا . وحكى الأصمعي قال : وفد أعرابي على معن بن زائدة ، فمدحه وطال مقامه على بابه ، ولم تحصل له جائزة ، فعزم على الرحيل ، فخرج معن راكبا ، فأمسك الأعرابي عنان دابته وقال : [ من الطويل ] وما في يديك الخير يا معن كله * وفي الناس معروف وعنك مذاهب ستدري بنات العم ما قد أتيته * إذا فتّشت عند الإياب الحقائب فأوقر معن خمس نوق من كرام إبله ميرة وثيابا ، وقال : انصرف يا بن أخي إلى بنات عمك ، فلئن فتشن الحقائب . . ليجدن ما يسرهن ، فقال : صدقت وبيت اللّه . وذكر الخطيب في « تاريخه » : ( عن أبي عثمان المازني قال : حدثني صاحب شرطة معن قال : بينما أنا على رأس معن ؛ إذا هو براكب يوضع ، فقال : ما أحسب الرجل يريد غيري ، ثم قال لحاجبه : لا تحجبه ، فجاء حتى مثل بين يديه وأنشد : [ من المنسرح ] أصلحك اللّه قلّ ما بيدي * فما أطيق العيال إذ كثروا ألح دهر رمى بكلكله * فأرسلوني إليك وانتظروا فقال معن - وأخذته أريحية - : لا جرم واللّه ؛ لأعجلن أوبتك ، ثم قال : يا غلام ؛ أعطه الناقة الفلانية ، وألف دينار ، فدفعها إليه وهو لا يعرفه ) « 1 » . واتفقت له قصة غريبة في اختفائه ، وذلك : أن المنصور جد في طلبه ، وجعل لمن يأتيه به مالا ، قال : فتعرضت للشمس حتى لوحت وجهي ، وخففت عارضي ، ولبست جبة صوف ، وركبت جملا متوجها إلى البادية لأقيم بها ، فلما خرجت من باب حرب - أحد أبواب بغداد - . . تبعني أسود متقلد بسيف حتى إذا غبت عن الحرس أناخ بي الجمل ، وقبض على يدي فقلت : ما لك ؟ ! فقال : أنت طلبة أمير المؤمنين ، فقلت : ومن أنا حتى
--> ( 1 ) « تاريخ بغداد » ( 13 / 237 ) .